يا إخوة
أكتب إليكم بصدقٍ عميقٍ وواضحٍ، لا يحمل خصومة ولا يسعى إلى إدانة، وينطلق من إيمان راسخٍ وثابتٍ بأننا جميعًا، مهما اختلفنا، ننتمي إلى مصير واحد اسمه لبنان. هذا البلد ليس مجرد كيان سياسي، بل فكرة حيّة: أن العيش معًا ممكن، وأن الاختلاف لا يُلغي، ويكمل بعضه بعضًا، ويجعل من تنوّعنا مصدر غنى لا عبئًا
لبنان لم يُبنَ على منطق الغلبة، إنما على منطق التوازن. لم يُخلق ليكون ساحة صراع، إنما مساحة لقاء. وقوته لم تكن يومًا في تفوّق طرف على آخر، إنما في قدرته على جمع المتناقضات ضمن إطار وطني واحد
يا إخوتي
لا يمكن تجاهل أن لديكم رؤية تعتبر السلاح ضمانة، وهي قناعة تشكّلت عبر تجربة طويلة وظروف تاريخية معقّدة. في المقابل، هناك واقع لبناني واسع لا يمكن القفز فوقه: تشير استطلاعات Gallup إلى أن نحو ٧٩٪ من اللبنانيين يرون أن السلاح يجب أن يكون حصراً بيد الدولة. هذا المعطى لا يُقرأ كرفض، إنما كتعبير عن تمسّك عميق بفكرة الدولة ورغبة في استقرارها
وفي صلب فكرة الدولة، هناك مبدأ لا يمكن الالتفاف عليه: أن الشرعية وحدها هي التي تمنح حق استخدام القوة. فالدولة لا تُختصر بالمؤسسات أو الإدارة، إنما تقوم أساسًا على احتكار المشروع للقوة، لأن هذا الاحتكار هو ما يحمي الجميع بالتساوي، ويمنع تحوّل القوة إلى عامل انقسام أو مصدر اضطراب بين المواطنين. حين تكون القوة موزعة، حتى ولو بنيّات مختلفة، يصبح ميزان الثقة هشًّا، ويشعر كل طرف أنه بحاجة إلى حماية موازية. أما حين تكون بيد الدولة وحدها، فإنها تتحول من عنصر توتر إلى ركيزة عامة، ومن حالة قلق إلى إطار استقرار يشمل الجميع دون استثناء
اليوم، في ٢٧ نيسان ٢٠٢٦، تبدو الصورة دقيقة وحسّاسة. الجنوب يعيش تحت ضغط مستمر، والتوتر الإقليمي ينعكس مباشرة على الداخل اللبناني. ومع كل تصعيد، يتزايد القلق من انزلاق لا يريده أحد. وفي الداخل، تتعمّق الانقسامات، وتعود لغة الشك بدل لغة الثقة
إذا استمر هذا المسار فإن المخاطر واضحة تتمثل في بقاء لبنان ساحة مفتوحة للتجاذبات الإقليمية والدولية، وتآكل أكبر في مؤسسات الدولة، وتعاظم في الانقسام الداخلي بما قد يهدد الاستقرار العام. ومع الوقت، يصبح الاحتكاك الداخلي احتمالًا لا يمكن تجاهله
لكن هناك مسار آخر ممكن. مسار لا يُقصي أحدًا، بل يعيد ترتيب العلاقة بين الجميع على أساس الدولة. أن يكون العمل السياسي هو الإطار الكامل، وأن يُحصر قرار القوة ضمن مؤسسات الدولة، وأن تُستثمر كل الطاقات في البناء بدل إدارة التوازنات الهشّة
يا إخوتي
المسألة ليست في إلغاء دور أي طرف، إنما في إعادة تعريف هذا الدور داخل الدولة لا خارجها. أن يكون حضوركم السياسي جزءًا من الدولة نفسها، لا موازياً لها. لبنان بحاجة إلى كل أبنائه داخل مؤسساته، لا في مسارات متوازية تُضعف الدولة وتُثقلها بالهواجس. بحاجة إلى شراكة حقيقية تُعيد الثقة، لا إلى اصطفافات متقابلة تعمّق الهاجس
الحقيقة البسيطة أن لا وطن يمكن أن يستمر إذا نظر أبناؤه إلى بعضهم بشك دائم، ولا استقرار يمكن أن يصمد إذا لم يكن مشتركًا. لبنان رسالة تعايش، أو لا يكون .والمستقبل، بكل وضوح، بين أن نبقى جماعات متقابلة أو أن نكون وطنًا واحدًا لجميع أبنائه مهما اختلفت الآراء، في ظل دولةٍ واحدة، ومصيرٍ واحد، لا يربح فيه أحدٌ على حساب أحد، بل يربح فيه الوطن للجميع