١٩ نيسان ٢٠٢٦
في هذا الشرق الأوسط الذي لا يعرف السكون، تبدو الكلمات أحيانًا أخطر من الصواريخ، والتصريحات امتدادًا غير مباشر لساحات القتال. وما يُنشر اليوم من عبارات على لسان وكالات قريبة من دوائر القرار، أو على ألسنة قادة دول كبرى، لا يمكن قراءته كخبرٍ منفصل، إنما كجزء من هندسة كاملة للتوتر، تُدار فيها السياسة بمنطق الردع لا بمنطق الاستقرار
ما يجري في المنطقة لا يمكن اختزاله بإعلان حرب تقليدي ولا بوصفه حالة سلام مستقرة. نحن أمام واقع ممتد من الاشتباك المتقطع، حيث تشتعل الجبهات ثم تهدأ، وتُعقد تفاهمات هشة لا تلبث أن تتكرر، فيما تستمر الرسائل العسكرية والسياسية بلا انقطاع. في هذا المشهد يقف لبنان في قلب توازن شديد الاضطراب، يتأثر مباشرة بأي اهتزاز إقليمي، سواء على المستوى السياسي أو الأمني
الخطاب الصادر عن إيران ووسائل إعلامها لا يحمل جديداً في مضمونه بقدر ما يعكس ثباتاً في نهج قائم على الردع وإدارة المعركة النفسية. وتشير وكالة تسنيم إلى أن إيران تستعد لاحتمال استئناف الحرب. الحديث عن الاستعداد لكل الاحتمالات، وعن وحدة الجبهات، وعن المقاومة كمنظومة إقليمية، ليس إعلاناً عن قرار تنفيذي بقدر ما هو تثبيت لعقيدة تعتبر أن أي مواجهة لن تبقى محصورة في نطاق جغرافي ضيق. هنا تتحول اللغة إلى أداة لإعادة رسم حسابات الخصوم، أكثر من كونها تمهيداً لخطوة عسكرية فورية
في المقابل، يعتمد الخطاب الأميركي على منطق مختلف ظاهرياً لكنه يتقاطع في الجوهر مع فكرة استخدام القوة كأداة ضغط. وفي هذا السياق، نقلت تقارير إعلامية صادرة بتاريخ ١٩ نيسان ٢٠٢٦ عن دونالد ترامب تهديده بأن الولايات المتحدة قد تستهدف وتدمّر بنى تحتية إيرانية، بما في ذلك محطات الطاقة والجسور، في حال عدم التوصل إلى اتفاق أو استمرار التصعيد. ويأتي هذا الموقف ضمن مقاربة تقوم على الضغط العسكري لفرض شروط تفاوضية، أكثر من كونه إعلاناً عن قرار حرب مباشر
ما يميز هذه المرحلة ليس اقتراب حرب بقرار واضح، بل عمق انعدام الثقة بين جميع الأطراف، مع استمرار الجهوزية الدائمة للمواجهة. لا أحد يراهن على سلام طويل، ولا أحد يخفف من استعداداته العسكرية، والجميع يتحرك وفق أسوأ الاحتمالات الممكنة. في هذا المناخ، يتحول التوتر إلى حالة دائمة لا استثناء عابر، بل امتداد طويل الأمد
الخطر الحقيقي لا يكمن في التصريحات بحد ذاتها، وإنما في احتمال سوء التقدير. تاريخ المنطقة يثبت أن التحولات الكبرى لا تنشأ دائماً عن قرارات مدروسة، وإنما قد تبدأ بخطأ في الحساب أو رد فعل مبالغ فيه أو حادثة محدودة تتوسع بسرعة. عندها قد تتحول لغة التهديد إلى واقع ميداني من دون نية مسبقة للانزلاق إلى الحرب، وهذه المرة قد لا تكون حرباً تقليدية، بل احتمال انزلاق نحو مواجهة ذات طابع نووي
ما نعيشه اليوم هو تثبيت لحالة إقليمية هشة، تقوم على توازن دقيق بين الاستعداد الدائم للاشتعال والرغبة في تجنبه. في مثل هذا الواقع، لا تبدو السياسة إدارة مستقرة للأزمات، بل محاولة مستمرة لمنع الانفجار عبر الاقتراب الدائم من حافته دون السقوط فيها