«حين نادى المسيح لعازر من القبر… هل يسمع لبنان اليوم النداء؟» بقلم المحامي كميل حبيب معلوف

«حين نادى المسيح لعازر من القبر… هل يسمع لبنان اليوم النداء؟»

بقلم المحامي كميل حبيب معلوف
٢٨ آذار ٢٠٢٦

في زمنٍ يثقل فيه الحزن على القلوب، وتكاد فيه أخبار الحروب والدمار تطغى على رجاء الناس، يعود المؤمن إلى صفحات الإنجيل ليجد فيها نوراً لا ينطفئ. ففي إنجيل يوحنا نقرأ قصة من أكثر القصص عمقاً في اللاهوت المسيحي: قصة إقامة لعازر من بين الأموات

لم تكن هذه المعجزة مجرد حدث خارق، بل إعلاناً لسرٍّ إلهي عظيم: أن الله لا يترك الإنسان في ظلمة الموت واليأس. فعندما وقف المسيح أمام القبر قال كلمته التي اخترقت الصمت: «لعازر، هلمَّ خارجاً». فخرج الرجل الذي كان قد مضى عليه أربعة أيام في القبر، وكأن الحياة نفسها أطاعت صوت الخالق

يرى آباء الكنيسة في هذا الحدث معنى يتجاوز الشخص الواحد. فقد كتب القديس أوغسطينوس أن لعازر يرمز إلى كل إنسان يظن العالم أن حياته انتهت، لكن الله يرى فيه بداية جديدة. فالمسيح لم يقترب من القبر كمن يودّع الموتى، بل كمن يعلن أن الموت ليس الكلمة الأخيرة

أما اللاهوت الحديث، فيقرأ المعجزة أيضاً كعلامة رجاء للإنسانية. فقد أشار اللاهوتي كارل راهنر إلى أن معجزات المسيح هي إعلان عن حضور الله في قلب معاناة البشر. بينما رأى هانس كونغ أن قصة لعازر تذكّر العالم بأن التاريخ نفسه يمكن أن ينهض من أزماته عندما يفتح الإنسان قلبه للرجاء

وفي لبنان اليوم، تبدو هذه القصة أكثر من مجرد ذكرى إنجيلية. فالوطن الذي عرف الحروب والدموع يشبه أحياناً ذلك القبر المغلق بحجر ثقيل. لكن الإيمان يقول إن الحجر يمكن أن يُرفع، وأن الليل مهما طال لا يستطيع أن يمنع الفجر

وهنا يلتقي المؤمنون في لبنان، مسيحيين ومسلمين، عند معنى روحي عميق: أن الله هو إله الحياة والرحمة، وأن قدر الإنسان ليس الموت بل النهوض بعد السقوط. فالأديان الإبراهيمية جميعها تؤمن بأن قدرة الله أعظم من اليأس، وأن رحمته أوسع من جراح التاريخ

لذلك فإن قيامة لعازر ليست قصة من الماضي فقط، بل رسالة للحاضر. إنها دعوة لكل إنسان أن يؤمن بأن القيامة تبدأ أولاً في القلب: عندما ينتصر الرجاء على الخوف، والمحبة على الكراهية، والوحدة على الانقسام

وكما خرج لعازر من القبر ملفوفاً بالأكفان، هكذا يستطيع لبنان أن يخرج من أكفان الحرب والقلق إذا آمن أبناؤه بأن الحياة أقوى من الموت. فالمسيح الذي قال: «أنا هو القيامة والحياة» ما زال صوته يتردد في ضمير التاريخ

فهل يسمع لبنان اليوم النداء؟

لعلّ الكلمة التي قيلت يوماً أمام قبر في بيت عنيا يمكن أن تُقال أيضاً لأوطانٍ متعبة
اخرجوا إلى النور… فالحياة ما زالت ممكنة

Allonline

Leave a comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *