لبنان لم يعد كما كان – بقلم الكاتب والمحلل باتريك رياشي

لبنان لا يعيش لحظة مؤقتة يمكن تجاوزها كما حدث في مرات سابقة. ما كان يحدث في الأشهر الأخيرة من تصعيد عسكري وضربات متكررة في الجنوب، وتهجير للسكان، وتوتر دائم على الحدود، يدخل في بنية البلد ويعيد تشكيله ببطء مؤلم لا يلفت الانتباه في كل لحظة، لكنه يترك أثره في كل شيء، من حركة الناس إلى معنى الأمان نفسه

هذه الحرب لن تنتهي بصورة حاسمة لأي طرف على الأرض اللبنانية. لا أحد سيخرج وهو قادر على القول إنه أنهى التهديد أو فرض استقرارًا دائمًا. هذا النوع من الصراع لا يُحسم، وهو ما تؤكده تجارب السنوات الماضية، حيث تنتهي كل جولة بتهدئة مؤقتة لا تعالج أصل المشكلة

ما يظهر على أرضنا في الجنوب يوحي بأنه لن يعود كما كان. نسبة كبيرة من أهلنا في الجنوب ستبقى خارج قراها، في أماكن تستطيع أن تشعر فيها بحد أدنى من الأمان، وهذا سيغيّر توزيع الحياة نفسها. القرى التي تُفرغ مرة بعد مرة لا تعود بسهولة، حتى لو توقفت الضربات. الاستنزاف حين يستقر لا يخرج بسرعة، بل يعيد رسم علاقة الإنسان بأرضه

وبالتالي ستضعف الدولة أكثر نتيجة استنزاف مستمر. كل أزمة جديدة تأخذ من الدولة شيئًا إضافيًا من قدرتها على الاستقرار والحكم، في وقت تعاني فيه أصلًا من عجز مالي ومؤسساتي، إلى أن تصل إلى مرحلة لا تعود فيها قادرة على القيام بدورها كما يجب. هذا المسار قائم منذ سنوات، وهذه الحرب تسرّعه

في هذا السياق، الاقتصاد منهار أصلًا، لكنه يتجه نحو مزيد من صعوبة تأمين المعيشة وعدم الاستقرار. وسيكبر الاعتماد على أهلنا في الاغتراب، عبر تحويلاتهم التي تبقى شريانًا أساسيًا للدعم، رغم خضوع أي تحويلات أو عمليات مالية بقيمة ١٠٠٠$ وما فوق لإجراءات تدقيق مصرفي أكثر صرامة، تشمل التحقق من مصدر الأموال وتسجيل العمليات وفق تعاميم مصرف لبنان وقوانين مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب. ستبقى التحويلات والمساعدات عنصرًا أساسيًا، فيما تتسع الفجوة بين الناس وتتراجع القدرة على التخطيط لأي مستقبل ثابت

الأخطر من كل ذلك أن الناس اعتادوا. الجيل الذي يعيش هذه المرحلة يتعامل مع الانهيار كجزء من يومه، وما تبقّى من الشبيبة في لبنان يعيش هذا الواقع بشكل مباشر، كما حدث في مراحل سابقة من تاريخ لبنان، وهذا يغيّر نظرة الإنسان إلى الحياة وإلى نفسه. وحين يصبح الخطر عاديًا، يفقد معناه، ويصبح من الصعب مقاومته. ويبقى الإيمان جزءًا أساسيًا من قدرة الناس على التحمّل والاستمرار

في الإقليم لن يكون هناك حسم قريب. سيكون هناك هدوء مؤقت ثم توتر، ضمن قواعد غير معلنة تضبط الإيقاع من دون أن تنهي الصراع. هذا النمط يتكرر لأن أسبابه لم تُحل، ولأن الأطراف الأساسية تسعى إلى إدارة المواجهة لا إنهائها، في ظل غياب تسوية سياسية حقيقية. فالسؤال الحقيقي، ما الذي سيبقى من لبنان إذا استمر هذا المسار؟ البلد يتغيّر من الداخل، وفكرة الاستقرار نفسها تتبدل. النتيجة التي يمكن قولها بثقة هي أن لبنان بعد هذه المرحلة لن يشبه لبنان الذي نعرفه، ليس فقط بسبب ما يتغيّر في الناس وفي طريقة عيشهم

Allonline

Leave a comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *