في لبنان، لا يعيش الناس فقط… إنهم ينتظرون. ينتظرون الكهرباء التي تأتي لساعات محدودة. ينتظرون رواتب فقدت قيمتها. ينتظرون أموالهم المحتجزة في المصارف. ينتظرون حلولًا يُقال إنها قريبة منذ سنوات
ومع الوقت، يتبيّن أن القضية أعمق. لبنان ليس فقط بلدًا يمرّ بأزمة، إنما بلد يعيش داخل حالة انتظار مستمر
المشكلة لا تكمن في الانهيار وحده، إنما في أن هذا الانهيار لا يصل إلى نهايته. لا شيء يُحسم ولا شيء يبدأ من جديد. الدولة لا تختفي، لكنها لا تؤدي دورها. الإصلاحات تُطرح، لكنها تبقى معرقلة. الأزمات تستمر من دون نقطة فاصلة، فيبقى الناس في مساحة معلّقة
الانتظار لم يعد ظرفًا مؤقتًا. أصبح أسلوب حكم، ومع الوقت تحوّل إلى حالة طبيعية. لم يعد الناس يستغربون غياب الكهرباء أو تأخر الحلول أو تكرار الأزمات. ما كان يُعتبر استثناءً أصبح جزءًا من الحياة اليومية، وهنا يكمن الخطر الحقيقي، حين يتحول الاستثناء إلى عادة، وتتحول الأزمة إلى نمط حياة
حين تغيب القرارات الحاسمة، وحين تغيب المحاسبة، وحين تُؤجَّل الحلول مرة بعد مرة، يتحوّل الزمن إلى أداة استنزاف. لا أحد يمنحك جوابًا واضحًا ولا أحد يضع حدًا للأمور، فتُترك لتبقى في حالة ترقّب دائم
هذا الواقع يعيد تشكيل حياة الناس بالكامل. الشاب يؤجّل مستقبله مترقبًا فرصة للخروج، والعائلة تؤجّل مشاريعها انتظارًا لتحسّن قد لا يأتي، وصاحب العمل يتردّد مترقبًا يقينًا مفقودًا. حتى أبسط القرارات أصبحت مؤجّلة، من الزواج إلى العمل إلى الاستقرار، وكلها معلّقة
الأثر الأعمق يظهر في الداخل. لا يوجد غضب كافٍ يدفع إلى التغيير، ولا يوجد استقرار يمنح الطمأنينة. هناك حالة بين الاثنين، إرهاق نفسي مستمر، قلق صامت، وأمل مؤجّل
في أماكن أخرى، الأزمات تفرض الحسم، أما في لبنان فالأزمات تُطيل الانتظار، وهكذا يستمر كل شيء كما هو. الفقر يتّسع، الخدمات تتراجع، والحلول تُناقش من دون تنفيذ، فيما النظام لا يعالج الأزمات بل يديرها عبر إبقائها بلا حسم
الحقيقة الصعبة واضحة، لبنان لا يُدار بالقرارات، إنما يُدار بالتأجيل
حين يعيش شعب كامل في حالة انتظار، يتوقف الزمن الفعلي، وتتحول الحياة إلى مرحلة مؤقتة طويلة
في لبنان، لا
شيء يسقط بالكامل، ولهذا لا شيء يُبنى من جديد. نحن لا نعيش فقط داخل أزمة، نحن نعيش حالة انتظار مستمرة، والانتظار لم يعد مرحلة، بل أصبح واقعًا قائمًا وحالة طبيعية اعتادها الناس كأمر طبيعي
يبدأ التغيير من إعادة تشغيل مؤسسات الدولة بشكل فعلي، وتطبيق الدستور، وتطبيق المحاسبة الإدارية والمالية، وضمان استقلال القضاء، وتوحيد عمل المؤسسات تحت منطق الدولة، بما يعيد الثقة ويوقف التعطيل المستمر، كما يجب أن يتحمّل المسؤول في الدولة مسؤوليته كاملة أمام القانون والناس
بقلم باتريك رياشي