الجيش اللبناني: ضمير الدولة وسبيل لبنان نحو السيادة الكاملة بقلم باتريك رياشي

الجيش اللبناني: ضمير الدولة وسبيل لبنان نحو السيادة الكاملة

منذ عام ٢٠١٩، لم يعد لبنان مجرد وطن يمر بأزمة، بل كيانًا يتعرض لاختبار وجودي حقيقي. انهار الاقتصاد، تراجعت قيمة العملة، تعطلت الإدارات، وتآكلت ثقة الداخل والخارج بالمؤسسات السياسية إلى حد غير مسبوق. لم يعد السؤال يدور حول قدرة الدولة على النهوض، بل حول ما إذا كانت لا تزال قائمة أصلًا في نظر العالم

في خضم هذا المشهد القاتم، وبينما كانت مؤسسات تتراجع وأخرى تختفي من المشهد، بقيت مؤسسة واحدة تمارس دورها بصمت وصلابة: الجيش اللبناني. لم يكن حضوره مجرد استمرار إداري، بل كان فعل بقاء. كان الجندي الذي يرتدي بدلته كل صباح، ويقف على حاجزه أو يدخل ثكنته، يمارس أكثر من مهمة عسكرية؛ كان يحافظ على الحد الأدنى من معنى الدولة

الدول لا تُقاس فقط بنصوص دساتيرها أو بخطابات حكوماتها، بل بقدرتها على الاستمرار في أداء وظائفها الأساسية حين ينهار كل شيء. وفي لحظة فقدت فيها السلطة السياسية ثقة الخارج، بقي الجيش المؤسسة التي رأت فيها القوى الدولية دليلًا على أن لبنان لم يتحول إلى فراغ كامل. لم يكن ذلك تفصيلًا ثانويًا، بل عنصرًا حاسمًا في استمرار الاعتراف بلبنان كدولة قائمة، مهما ضعفت

لقد كانت السنوات الممتدة من ٢٠١٩ حتى ٢٨ مارس ٢٠٢٦ اختبارًا قاسيًا. تراجعت رواتب العسكريين، تفاقمت الأوضاع المعيشية، وواجهت المؤسسة تحديات غير مسبوقة، ومع ذلك لم تتفكك. لم ينسحب الجنود من مواقعهم، ولم يتخلوا عن واجباتهم، بل استمروا في أداء دورهم وسط انهيار شامل كان كفيلًا بإسقاط أي مؤسسة أخرى. في هذا الثبات تكمن قيمة لا يمكن اختزالها بالأرقام أو بالشعارات

وفي موازاة ذلك، بقيت إشكالية أساسية تعرقل اكتمال صورة الدولة: وجود قوة عسكرية خارج إطارها. هذه المسألة ليست تفصيلًا سياسيًا عابرًا، بل قضية ترتبط بجوهر فكرة الدولة نفسها. فالدولة، في معناها العميق، تقوم على مبدأ واضح لا يقبل التعدد أو الازدواج: أن تكون هي المرجع الوحيد في قرار استخدام القوة

لكن هذه الحقيقة لم تنشأ في فراغ. لقد جاءت نتيجة تاريخ طويل من التحديات، ومن شعور عميق لدى فئات من اللبنانيين بأن الدولة لم تكن دائمًا قادرة على حمايتهم أو الدفاع عنهم. ومع الوقت، تحولت هذه المعادلة إلى واقع معقد، حيث تداخلت مفاهيم المقاومة مع مفاهيم السيادة، وأصبح النقاش أكثر حساسية وتشابكًا

مع ذلك، فإن أي رؤية جدية لمستقبل لبنان لا يمكن أن تتجاوز حقيقة واحدة: لا دولة قوية دون مؤسسة عسكرية واحدة موحدة، ولا سيادة مكتملة دون قرار مركزي في الحرب والسلم. ليس هذا طرحًا نظريًا، بل خلاصة تجارب الدول عبر التاريخ

الحل لا يكون بالمواجهة الداخلية، ولا بفرض الوقائع بالقوة، ولا بإلغاء مخاوف أي طرف. الحل الحقيقي يبدأ عندما تستعيد الدولة ثقة أبنائها، وعندما يصبح الجيش قادرًا، بإجماع وطني كامل، على حماية البلاد دون الحاجة إلى بدائل موازية. عندها فقط، يتحول السلاح خارج الدولة من ضرورة يراها البعض إلى مرحلة انتهى دورها

لقد أثبت الجندي اللبناني، في أصعب سنوات البلاد، أنه لم يتخل عن موقعه حين كان الانسحاب أسهل، ولم يساوم على واجبه حين كانت الظروف أقسى. هذا الثبات ليس مجرد تفصيل في قصة الانهيار، مما يجعله الأساس الذي يمكن أن تُبنى عليه النهوض

لبنان، الذي كاد أن يفقد نفسه، لا يمكن أن يستعيدها إلا من النقطة التي لم تسقط. من مؤسسة صمدت حين انهار كل شيء، ومن إرادة لم تنكسر رغم كل ما واجهته. هناك، في هذا الثبات الصامت، تبدأ الطريق نحو دولة حقيقية، موحدة، وقادرة على أن تكون ما يجب أن تكونه: وطنًا كامل السيادة، لا ظلًا لها

إن بناء لبنان الجديد يبدأ بالاعتراف أن الجيش هو قلب الدولة، وأن أي محاولة للتجاوز عن هذه الحقيقة ستعيد التاريخ إلى الوراء. القوة الحقيقية ليست في السلاح وحده، بل في قدرة الدولة على أن تجمع إرادتها وشعبها حول هدف واحد، هدف يجعل من لبنان أكثر من مجرد أرض أو مؤسسات، ليصبح كيانًا حيًا ومتصالحًا مع ذاته ومع محيطه.
بحيث يصبح أي سلاح خارج إطارها غير ضروري، ويصبح الجيش وحده كافيًا لضمان الأمن والكرامة والسيادة

بقلم باتريك رياشي

Allonline

Leave a comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *