القضاء إن حكى… فليصمت كل ما عداه

في لبنان، حيث تتشابك الأزمات وتتنازع السلطات، يبقى القضاء هو الحصن الأخير الذي يُعوّل عليه المواطن حين تضيق به السبل، وتُغلق في وجهه أبواب الإنصاف. فالقضاء، حين ينطق، لا ينطق باسم فرد أو جهة، بل باسم الشعب، باسم القانون، وباسم الدولة التي نريدها دولة مؤسسات لا دولة أشخاص. إن القضاء، حين يُحسن النطق، يُعيد الاعتبار للحق، ويُعيد التوازن إلى وطنٍ اختلّت فيه المعايير، وتبدّلت فيه الأولويات

لكن هل يُسمع صوت القضاء في وطنٍ أرهقته التدخلات السياسية، وأثقلته الحسابات الطائفية، وأضعفته المحسوبيات؟ هل يُمكن للقاضي أن يُصدر حكمًا دون أن يُحسب على جهة أو يُتهم بالانحياز؟ وهل يُمكن للعدالة أن تُمارس دورها في ظل غياب الثقة، وتآكل الاستقلالية، وتراجع هيبة المؤسسات؟

إن القضاء في لبنان لا يُعاني من نقص في النصوص، بل من فائض في التجاوزات. فالدستور واضح، والقوانين قائمة، لكن التطبيق هش، والاحترام متردد، والتدخلات باتت تُمارس علنًا، دون خجل أو مواربة. القاضي الذي يُفترض أن يكون محصنًا، يُستدعى أحيانًا للمساءلة لا بسبب خطأ قانوني، بل بسبب موقف جريء أو حكم لا يُرضي أصحاب النفوذ. وهذا ما يُضعف الثقة، ويُربك المسار، ويُهدد جوهر العدالة

وإذا كان القضاء هو مرآة الدولة، فإن ما نراه اليوم في هذه المرآة يُقلق كل صاحب ضمير. فكيف يُمكن أن تُبنى دولة على قضاء مُقيّد؟ وكيف يُمكن أن تُحمى الحقوق في ظل قضاة يُحاسَبون على اجتهاداتهم بدل أن يُكرَّموا على نزاهتهم؟ إن استقلال القضاء ليس ترفًا، بل ضرورة وطنية، وشرط أساسي لأي إصلاح حقيقي. فلا اقتصاد يُبنى دون قضاء نزيه، ولا استثمار يُستقطب دون قضاء مستقل، ولا أمن يُصان دون قضاء يُنصف الجميع بلا تمييز

وإذا أردنا أن نُعالج أزمة القضاء، فلا بد من مقاربة شاملة تبدأ بإعادة الاعتبار لمبدأ الفصل بين السلطات، وتُكرّس استقلالية السلطة القضائية، وتُحصّن القضاة من أي ضغط أو ترهيب أو ترغيب. يجب أن يُعاد النظر في آلية التعيين، وفي دور مجلس القضاء الأعلى، وفي علاقة القضاء بالسلطة التنفيذية، وفي حماية القاضي من التشهير والتسييس. كما يجب أن يُفعّل دور التفتيش القضائي، لا كأداة للترهيب، بل كوسيلة لضمان الجودة والمحاسبة العادلة

ولا يُمكن الحديث عن إصلاح قضائي دون التطرق إلى ملفات الفساد، التي باتت تُدار أحيانًا خارج أروقة العدالة، وتُستخدم كأدوات لتصفية الحسابات بدل أن تكون مسارات قانونية واضحة. إن مكافحة الفساد تبدأ من القضاء، وتنتهي فيه. وإذا لم يكن القضاء هو المرجع الأعلى في هذه المعركة، فإن كل الجهود الأخرى تبقى شكلية، وتفتقر إلى المصداقية

القضاء إن حكى، يجب أن يُحترم، لا أن يُناقش في نواياه. القضاء إن حكى، يجب أن يُنفّذ، لا أن يُعطّل. القضاء إن حكى، يجب أن يُصان، لا أن يُستغل. وإذا أردنا أن نبني دولة، فعلينا أن نبدأ من هنا، من قاعة المحكمة، من منصة القاضي، من نص الحكم، من هيبة العدالة. فالدولة التي لا يُحترم فيها القضاء، لا تُحترم في الخارج، ولا تُطمئن الداخل، ولا تُكتب لها الاستمرارية

فلنُصغِ إلى القضاء حين يتكلم، لا لنُجادله، بل لنُراجع أنفسنا. فلنُحصّن القضاة لا لنُعزلهم، بل لنُحررهم من كل ما يُعيق رسالتهم. فلنُعيد الاعتبار إلى العدالة، لا كشعار، بل كممارسة يومية، تُنصف المظلوم، وتُحاسب المسيء، وتُرسي قواعد وطنٍ لا يُبنى إلا على الحق

القضاء إن حكى… فليصمت كل ما عداه، لأن الكلمة الفصل لا تُقال إلا من على منصة العدالة، وباسم الشعب، لا باسم أحدٍ سواه


المحامي كميل حبيب معلوف
بيروت في ٢٠٢٥/١١/٤

Allonline

Leave a comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *