في زمنٍ كانت فيه المحاماة رسالةً سامية لا وسيلةً مبتذلة، وكانت الكلمة ميزانًا للعدل لا سيفًا للخصومة، نشأت هذه المهنة على أكتاف رجالٍ صقلتهم التجارب، وشدّتهم الأخلاق، فكانوا حُماةً للحق لا تُجّارًا في سوق العدالة
أما اليوم، فقد تسلّل إلى هذا الحقل النبيل ما يُنذر بانزياحٍ خطير عن جادة القيم؛ إذ باتت الجرأة تُقدَّم على الحكمة، والصوت العالي يُستبدل بالمنطق، والظهور الإعلامي يُغني عن التكوين العميق. لم يعد كبير السن يُصغى إليه، ولا صاحب التجربة يُستشار، وكأن الذاكرة المهنية قد مُسحت، وكأن التاريخ لا يُورِّث
إن ما نشهده من تراجعٍ في احترام التقاليد، وتجاوزٍ للقوانين التنظيمية، ليس تطورًا بل تفلّت، وليس حداثة بل قطيعة مع أصولٍ كانت تُشكّل درعًا أخلاقيًا للمهنة. فالمحاماة ليست مجرد ترافع، بل هي سلوكٌ ووقارٌ وانضباطٌ، ووعيٌ بأن الكلمة قد تُنقذ أو تُدين، تُبني بها الأوطان أو تُهدم بها الثقة
إن احترام القيم ليس ترفًا، بل هو شرطٌ لبقاء المهنة في مقامها الرفيع. والعودة إلى الجذور لا تعني رجعية، بل هي وفاءٌ لروحٍ صنعت من المحامي ضميرًا ناطقًا باسم العدالة، لا صدىً لصخب المصالح
المحامي كميل حبيب معلوف
بيروت في ١٣ كانون الثاني ٢٠٢٦