لبنان يحاور محاميه: نقابة العدالة في زمن الانهيار
بقلم المحامي كميل حبيب معلوف – بيروت في 30 أذار 2026
في زمنٍ تتكاثر فيه الأزمات وتتهاوى فيه المؤسسات، يبقى صوت العدالة هو الأشد حاجةً إلى من يحمله. المحامي اللبناني اليوم ليس مجرد صاحب مهنة، بل هو جندي في معركة يومية ضد الانهيار الاقتصادي والسياسي، وهو شاهد على محاكم تُعطّلها الكهرباء، وملفات تُرهقها الفوضى، ونقابة ترفع الصوت دفاعاً عن استقلال القضاء وكرامة المهنة. في هذا المقال، نصوغ حواراً تخيلياً بين لبنان نفسه ومحاميه، ليكشف عن عمق الأزمة ويُبرز دور المحامي كحصنٍ أخير للحق والعدالة
لبنان: أيها المحامي، أراك اليوم واقفاً في أروقة العدالة، تحمل بين يديك ملفاتٍ أثقلتها الأزمات، وتواجه قاعات محاكمٍ تئن تحت وطأة الانهيار. كيف تصمد وأنت ترى نقابتك تكافح، وقضاؤك يتأرجح بين ضغط السياسة وضيق الحال؟
المحامي: يا لبنان، نحن أبناء القسم، أقسمنا أن نكون صوت الحق مهما علا الضجيج. نقابتنا اليوم ليست مجرد مؤسسة، بل حصنٌ أخير يحمي الكرامة المهنية. لقد رفعت النقابة في بياناتها الأخيرة الصوت عالياً ضد أي تدخل سياسي في القضاء، وأكدت أن استقلال العدالة هو الشرط الأول لبقاء الدولة. نحن نواجه تحديات جسيمة: انهيار العملة الذي جعل أتعابنا بلا قيمة، انقطاع الكهرباء الذي شلّ المحاكم، وضغط الشارع الذي يطالب بالعدالة السريعة. ومع ذلك، نتمسك بالقانون كمن يتمسك بطوق النجاة وسط بحرٍ هائج
لبنان: أجل، أرى فيكم المرآة التي تعكس وجهي الحقيقي. أنتم حماة الحقوق، لكنني أخشى أن تُنهككم المعارك اليومية. هل بقي للمحامي في هذه الظروف مكانة تحفظ له هيبته وسط هذا الانهيار؟
المحامي: مكانتنا لا تُستمد من المال ولا من الظروف، بل من إيماننا برسالتنا. نحن نكتب المرافعات بمدادٍ من الصبر، ونقف أمام القضاة بصلابة، لأننا ندرك أن سقوط المحامي يعني سقوط العدالة. نقابتنا اليوم تقاوم، ترفع الصوت ضد أي مساس باستقلال القضاء، وتدافع عن المحامي كمدافع عن الوطن. حتى في انتخابات النقابة الأخيرة، كان النقاش منصبّاً على كيفية حماية المهنة من التسييس، وعلى تعزيز دور المحامي كركيزة أساسية في بناء دولة القانون
لبنان: أريدكم أن تبقوا واقفين، لأنكم آخر حصون الحق. أنتم الذين ترفعون الصوت حين يخفت، وتحمون المواطن حين يُظلم
المحامي: لن نسقط يا لبنان. سنظل نقاوم، نرفع الراية في المحاكم، ونكتب المرافعات كصرخة في وجه الظلم. نحن ندرك أن المحاماة اليوم ليست مجرد مهنة، بل رسالة وطنية، وواجب أخلاقي، وصرخة في زمنٍ يحتاج إلى من يقول كلمة الحق بلا خوف. نقابتنا ستبقى الدرع الذي يحمي العدالة، مهما اشتدت العواصف
إن هذا الحوار بين لبنان ومحاميه ليس مجرد صياغة أدبية، بل هو انعكاس لواقعٍ يعيشه الجسم القضائي يومياً. فالمحامي اللبناني اليوم يقف على خط النار بين انهيار اقتصادي ينهك قدرته على الاستمرار، وبين ضغوط سياسية تهدد استقلال القضاء، وبين نقابة تحاول أن تبقى حصناً للحق والكرامة. إن الرسالة التي يطلقها هذا النص واضحة: العدالة لا يمكن أن تُصان إلا إذا بقي المحامي واقفاً، متمسكاً بالقَسَم، مدافعاً عن استقلال القضاء، ومؤمناً بأن المحاماة ليست وظيفة بل رسالة وطنية. وفي زمنٍ تتهاوى فيه المؤسسات، يبقى صوت المحامي هو الصرخة الأخيرة التي تذكّر بأن الحق لا يموت ما دام هناك من يجرؤ على الدفاع عنه