شهر مريم – بقلم الكاتب والمحلل باتريك الرياشي

في هذا الزمن المتعب من تاريخ لبنان، لا يأتي شهر أيار كغيره من الأشهر. إنه شهر يحمل في ذاكرة الكنيسة ووجدان الناس معنى مختلفًا، شهر مريم العذراء، الأم التي لم تُترك يومًا خارج وجع البشر، بل دخلت في صميمه، وصارت لغة صلاة في لحظات الضيق

بدأ تكريس شهر أيار للعذراء مريم في إيطاليا في أواخر القرن الثامن عشر، ثم ترسّخت في روما في أوائل القرن التاسع عشر حيث كانت تُقام صلوات يومية خلال شهر أيار في عدد من الكنائس. ومع منتصف القرن التاسع عشر، أصبحت جزءًا راسخًا من التقوى المريمية في الكنيسة الجامعة، قبل أن تنتقل إلى الشرق الكاثوليكي

في لبنان، هناك أماكن تجعل حضورها ملموسًا، وأبرزها مزار سيدة لبنان في حريصا، في قضاء كسروان، حيث يقف فوق البحر كأنه يراقب بلدًا لا يزال يبحث عن نفسه. وقد ترسّخ في الوعي الكنسي أن لبنان بلد مكرّس للعذراء مريم وتحت حمايتها، وهو تكريس يتجدد في الصلاة والطقوس والذاكرة الروحية، كعهدٍ حيّ في وجدان الناس والمؤمنين .في شهر أيار، لا تنطفئ الشموع هناك. يأتي الناس من كل المناطق، ومن خلفيات مختلفة، لكنهم يقفون بالطريقة نفسها، أمام العذراء، وكأنهم يعرفون أن هناك شيئًا لا يُطلب إلا من الأمّ الحنونة، مريم

أكتب اليوم، في الثاني من أيار ٢٠٢٦، ولبنان يمر بمرحلة جهنمية. الجنوب يعيش على إيقاع التوتر، والقلق الأمني حاضر، والاقتصاد لم يجد طريقه إلى التعافي، والسياسة لا تزال تدور في فراغ ثقيل. في مثل هذا الواقع، يتحول الالتزام بصلاة المسبحة الوردية والصوم المشترك حول الخبز والماء إلى رجاءٍ وصمود بين المؤمنين. لم يعد الإنسان في هذا البلد يبحث عن إجابات بقدر ما يبحث عن سند. وربما لهذا السبب، تعود مريم كحاجة إنسانية عميقة. أم يُطلب منها ما لا يستطيع أحد أن يعطيه: السلام الروحي، وسلام للبنان.

في هذا السياق، أستعيد ذكرى المطران طانيوس الخوري، الذي لم يكن مجرد رجل دين، إنما تبنّاني كابنه الروحي في أيلول ٢٠١٤ ورافقني بمحبة صادقة في مراحل التأمل والإيمان. خدم الكنيسة المارونية بإخلاص، وتولّى أسقفية صيدا في ٨ حزيران ١٩٩٦، حيث كرّس سنواته الأخيرة للخدمة الروحية. وُلد في بلدة سغبين في البقاع الغربي، وفي سنواته الأخيرة كان يقيم في بكركي، يعيش ببساطة الصلاة والهدوء الداخلي. انتقل بتاريخ ٢٠ أيلول ٢٠٢٢ بعد مسيرة كهنوتية امتدت لعقود من الخدمة والإرشاد الروحي. وكان يحرص على المسبحة الوردية التي أهديته إياها من ميدجوغوريه، وكنا نصليها معًا خارج أسوار بكركي في لحظات من الإيمان والتقوى. في غيابه، تبدو هذه المعاني أثقل، لكنها أيضًا أكثر وضوحًا. بين زمن بدأ فيه هذا التقليد كتعبير عن محبة، وزمن نعيشه اليوم كتعبير عن حاجة، يبقى شيء ثابت: أن الإنسان، عندما تضيق به الحياة، يبحث عن أم

في هذا المعنى، لا يمكنني إلا أن أستحضر ذكرى والدتي، نادين بستاني الرياشي، التي انتقلت فجأة في ١٥ آب ٢٠٢٥، في يومٍ عيد انتقال العذراء مريم. نادين كانت امرأة إيمان، ملتزمة بتوب مريم الكرمل، تصلي المسبحة الوردية بصمت وعمق، تعطي دون أن تطلب، وتحبّ بطريقة بسيطة وصافية كأنها صلاة مستمرة. لم تكن تحكم على أحد، بل كانت تبحث في كل إنسان عن صفاته الجميلة. وتفتح قلبها بلا تمييز، فكان لها أصدقاء من مختلف البلدان والخلفيات الدينية، لأن محبتها لم تكن تعرف حدودًا سوى الإنسانية

في هذا الثاني من أيار، أكتب عن رجاءٍ واحدٍ يتكرر في قلوبنا، أن يهدأ هذا البلد ويتّحد مع قلب العذراء مريم الطاهر، أن يجد طريقه من جديد، وأن يبقى فيه ما يستحق أن يُحافَظ عليه. وربما، بين شمعةٍ مضاءة وصلاةٍ وتأملٍ صادق تجاه الله ومريم، تتحقق عدالة الله على أرض لبنان والعالم أجمع

Allonline

Leave a comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *