في هذا الشرق الذي لا يمنح استقرارًا إلا ليختبر هشاشته، يقف لبنان اليوم أمام لحظةٍ لا يجوز فيها الخلط بين الهدوء والسلام، ولا بين الصمت والسيادة
أُعلن وقفٌ لإطلاق النار قبل أيام، فتنفّس البعض، وعاد البعض الآخر إلى قراه في الجنوب، كما لو أن الأرض استعادت ذاكرتها فجأة. لكن الحقيقة، لمن يريد أن يراها كما هي، لا كما يُراد لها أن تُرى، هي أن هذا “وقف إطلاق النار” ليس إلا تعليقًا مؤقتًا، لا إخمادًا للنار
فالوقائع على الأرض تُكذّب اللغة السياسية المعلنة. قوات إسرائيلية ما زالت تتمركز داخل الأراضي اللبنانية، ضمن شريط أمني يتراوح عمقه بين خمسة وعشرة كيلومترات. قرى بأكملها لم تُستعد، وبيوت لم تُرمم، وطرق لا تزال تحت التهديد. ليس هذا مشهد ما بعد حرب، بل مشهد حربٍ أُجّلت
وما كاد هذا “الهدوء” يُسوَّق كأمرٍ واقع، حتى عاد الواقع نفسه لينقضه. فقد أفادت مصادر إعلامية عبرية، قبل وقتٍ قصير، عن إطلاق عدد من الصواريخ باتجاه القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان. حدثٌ ليس استثنائيًا بقدر ما هو كاشف: كاشفٌ لهشاشة المرحلة، ولسرعة انزلاقها من وقفٍ هشّ إلى اشتباكٍ مفتوح
وحين يُحذّر رئيس مجلس النواب نبيه بري من أن بقاء هذه القوات سيُواجَه بالمقاومة، فهو لا يهدد بقدر ما يصف منطق الأمور. فالتاريخ اللبناني، منذ نشوء الكيان، لم يعرف فراغًا سياديًا طويلًا دون أن تملأه قوى الأمر الواقع، سواء كانت داخلية أو خارجية.
لكن المأساة الحقيقية لا تكمن فقط في وجود قوات أجنبية على الأرض، انما في الفجوة العميقة بين القرار اللبناني والقدرة اللبنانية. هنا يكمن السؤال الأخطر: هل لا يزال لبنان يمتلك، فعليًا، القدرة على فرض سيادته، أم أن سيادته باتت موضوع تفاوض بين عواصم أخرى؟
في الأيام القادمة، ستُعقد لقاءات دولية، من واشنطن إلى باريس، حيث يسعى رئيس الحكومة نواف سلام إلى تثبيت موقع لبنان في معادلة التفاوض، بدعم واضح من إيمانويل ماكرون. لكن التجربة اللبنانية مع المؤتمرات والضمانات الدولية تدعونا إلى الحذر: فكم من مرةٍ كُتبت تعهدات على الورق، ثم تلاشت عند أول اختبار ميداني؟
إن ما يواجهه لبنان اليوم ليس مجرد أزمة حدود، ولكن أزمة معنى. ما معنى الدولة إذا لم تستطع أن تحتكر قرار الحرب والسلم؟ وما معنى السيادة إذا كانت تُستعاد بالتصريحات وتُفقد على الأرض؟ وما معنى العودة إذا كان العائد لا يعرف إن كان سيبقى؟
لقد دفع لبنان، خلال الأسابيع الماضية، أثمانًا بشرية ومادية باهظة. آلاف القتلى، مئات الآلاف من النازحين، وبنية تحتية مُنهكة أصلًا زادها القصف تآكلًا. لكن الأخطر من كل ذلك هو تآكل الثقة: ثقة المواطن بدولته، وثقة الدولة بنفسها
إن “الهدوء” الحالي ليس استقرارًا حقيقيًا، وإنما حالة هشة تختبئ تحتها عوامل تصعيد واضحة: وجود عسكري إسرائيلي غير محسوم، توازن ردع ضعيف، تكرار الحوادث الميدانية، تصاعد الضغط الدولي، وانقسام داخلي حول طبيعة الخطر. وهذا الوضع لا يصنع سلامًا، وإنما يؤجل الانفجار فقط
لبنان اليوم ليس في حربٍ كاملة، ولا في سلامٍ حقيقي. إنه في منطقةٍ رمادية، هي الأخطر في تاريخ النزاعات، حيث تختلط الحسابات، وتضيع المسؤوليات، ويُترك الشعب في مواجهة المجهول.
والسؤال الذي يجب أن يُطرح، بلا مواربة: هل صمد وقف إطلاق النار؟
بل: هل نملك، كدولة، القدرة على تحويله إلى سلامٍ فعلي؟
إن لم يكن الجواب واضحًا، فإن ما نعيشه اليوم ليس إلا استراحةً قصيرة بين حربين